فخر الدين الرازي

25

تفسير الرازي

المسألة الثانية : الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر ، وذكر المفسرون في تفسير الإلحاد وجوهاً : أحدها : أنه الشرك ، يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى ، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل . وثانيها : قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في عبد الله بن سعد حيث استسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فارتد مشركاً ، وفي قيس بن ضبابة . وقال مقاتل : نزلت في عبد الله بن خطل حين قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح كافراً . وثالثها : قتل ما نهى الله تعالى عنه من الصيد . ورابعها : دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم . وخامسها : أنه الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير . وسادسها : المنع من عمارته . وسابعها : عن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله . وعن عبد الله بن عمر أنه كان له قسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، فقيل له فقال : كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله . وثامنها : وهو قول المحققين : أن الإلحاد بظلم عام في كل المعاصي ، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه : لو أن رجلاً بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذاباً أليماً . وقال مجاهد : تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات ، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله : * ( نذقه من عذاب أليم ) * غير لائق بكل المعاصي قلنا لا نسلم ، فإن كل عذاب يكون أليماً ، إلا أنه تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية . المسألة الثالثة : الباء في قوله : * ( بإلحاد ) * فيه قولاه : أحدهما : وهو الأولى وهو اختيار صاحب " الكشاف " أن قوله : * ( بإلحاد بظلم ) * حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً نذقه من عذاب أليم ، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده . الثاني : قال أبو عبيدة : مجازه ومن يرد فيه إلحاداً والباء من حروف الزوائد . المسألة الرابعة : لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلاً إلى الظلم ، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم ، ولذلك قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * . أما قوله تعالى : * ( نذقه من عذاب أليم ) * فهو بيان الوعيد وفيه مسائل : المسألة الأولى : من قال الآية نزلت في ابن خطل قال : المراد بالعذاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله يوم الفتح ، ولا وجه للتخصيص إذا أمكن التعميم ، بل يجب أن يكون المراد العذاب في الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد به .